السيد عباس علي الموسوي
52
شرح نهج البلاغة
فانظر رحمك اللّه إلى جملة هذه الأوامر والوصايا حيث يقول : 1 - ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما ، هذا أول أمر يصدره الإمام إلى الولاة ، إنه لا يكتفي منك أن تتعامل معهم معاملة شركاء في الجهاد ، أخوة في الكفاح ، بل يحملك الإمام إلى أن تكون بمنزلة الأب الذي يهمه توفير السعادة لأبنائه والرفاهية لهم ولو على حساب شقائه وعذابه ، نظرة الأبوة وعطفها يجب أن تتجسد في الولاة على الجنود . . . 2 - أن لا يحتقر لطفا يتعهدهم به فإن كل لطف يزيدهم حبا وطاعة ، فإن هذا الأمر الصغير على صغره يزرع في النفس أثرا طيبا لا يمكن أن يزرعه الأمر الكبير ، فإن لكل موقعه ومكانه لا يسد مسده إلا هو وهذا ما أشار إليه الإمام حيث قال : ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قلّ فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه . . . 3 - أن يكون أحب رؤساء الجنود إلى الوالي وأقربهم منه من كان أشدهم معونة للجنود وأكرمهم عليهم إذا كان بيده شيء من الغنى ، فإن إظهار الحب والشفقة يدرّ التلاحم ويعطي الوفاق والانسجام في جهاد الأعداء . ( وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد ، وظهور مودة الرعية . وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة الأمور وقلة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدتهم ، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع ، وتحرض الناكل ، إن شاء اللّه . ثم اعرف لكل امرى ء منهم ما أبلى ولا تضيفن بلاء امرى ء إلى غيره ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امرى ء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعة امرى ء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما . وأردد إلى اللّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ، ويشتبه عليك من الأمور ، فقد قال اللّه تعالى لقوم أحب إرشادهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فرَدُوُّهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ فالرد إلى اللّه : الأخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة ) إقامة العدل وبسط الحق من أهم واجبات الولاة ، ولا خير في دولة لا عدل فيها .